أضيف في 13 يوليوز 2017 الساعة 00:34


كيف أزهرتْ جراحاتُ العنصرية؟ بالمشاركة..لابالاندماج!

د إشرافة مصطفى حامد/ فيينا
إحساسي بالمسؤولية يتعاظم، لا بد من فعل شيء ليس على المستوى الفردي، بل الجمعي. بدأت النضال على جميع الأصعدة وكأنما كُتب عليّ هذا منذ أعلنت صرختي في الدنيا لأثبت وجودي، وجودي أستمده من تواريخنا المشتركة، من أحلامنا بالحياة الكريمة التي تحترم حقوقنا كبشر لا يتم تمييزنا بسبب اللون، أو الدين، أو الأصل، أو النوع، أو التوجه السياسي، أو الميول الجنسية... إلخ.
العصف الذهني لم يتوقف، وبدأت أراجع نفسي وتواريخنا في السودان، ورغم أنني بحكم نشاطي السياسي هناك كنت أعي تماماً أن هناك تمييزاً يقع على أجزاء كبيرة من السودان، إلا أنني أحسست بفداحة ذلك بعد أن عشت العنصرية في عصبي، حين رأيت جراحاتها تتفتح فتقةً فتقة، وجعةً وجعة ووعياً وعياً. راجعت مناهجنا ووسائل إعلامنا، راجعت كثيراً، ولكن برؤية مختلفة وأفق مختلف، وتيقّنت أنني لا أعرف أهل بلدي بالشكل الذي اعتقدتُ.. أهلي من الضفة المنسيّة، وهم ينزحون بسبب الحروب والصراعات المسلحة ولم ترحمهم الطبيعة وكأنها –من زاوية أخرى- تتضامن بقسوة معهم لإنهاء عذاباتهم. نزوحهم تحت وابل الرصاص والطبيعة كان قاسياً وأحسست بشظاياه تدخل في قلبي وأنا في الحي السادس عشر هنا في "فيينّا"!
الهجرة حقٌّ إنساني وأفق، الهجرة أبواب عريضة تنفتح نحو عتمتك وتنشر نورها على كل الجروح المزمنة. لم يكفّ رأسي عن النتح ليل نهار، كنت وما زلت أحس أنني مسؤولة عن كل صورة نمطية ضد عالمنا النامي، وخاصة إفريقيا والمنطقة العربية، تتعاظم مسؤوليتي كلما تكاثرت طحالب العنصرية والتطرف. الهجرة طريق للتحرر، تحرر الذات من أنانيتها ونحو كون جميل تضحك أشجاره وتزقزق عصافيره وترقص سحاباته ملتفّة في خصر الريح وكل الحيوانات في طرب.. هكذا تتوازن البيئة، وهكذا تكون طريقنا نحو ثروات هذا العالم متساوية، وحينها لن يأتي "شيباني فاغوي" من مورتانيا، "شيباني" الذي قتل مقهوراً تحت أقدام الشرطة، ليس في موريتانيا وإنما في "فيينّا". "شيباني" لم يمت، بل أنجب الملايين من الأجيال التي يظل حلمي كبيراً أن يكون واقعهم أفضل وألّا تتعرض لهم حيتان البحر أو شراسة الصحراء، يأتون معزَّزين مكرَّمين في إجازة إلى أوروبا، يشجّرون "فيينّا" بالحكايات الإفريقية والعربية ويعودون على أمل إجازة أخرى أو يبقون فيها.
بدايات الفعل المثمر لم تكن سهلة، لا تأتي النجاحات ونحن نيام، لا بد من المثابرة والصبر. فتحت لي الدولة النمساوية أبوابها ولكن ليس بهذه السهولة، لا بد من إتقان اللغة، وهذا هو الجحيم والنعيم في الوقت نفسه. لا أحد يعرف كيف تحملت الأسئلة أو رمي المسوّدات أو أن تقول لك مَن تؤمن نظرياً بالتضامن بين النساء وهي ذات مستوى أكاديمي أقلّ مني معلّقةً على المسوّدة، ليس إنها تحتاج إلى ضبط منهجي أو ما شابه، ولكن إنّ عليّ التواصل مع أكاديمية أو طالبة جامعية لتضبط معي مسوّدة البحث! إذ إنها تحاكمني بمعيار وعيها المستند إلى المركزية الأوروبية، فلا ترى في امرأة سوداء غير ما خزّنته في مخيلتها نحو إفريقيا/ الوطن العربي. الرد يكون بمزيد من العمل، بالحوار، بالرد المباشر الواضح؛ سهر الليالي الطويلة لإثبات الذات، إذ إنني زرعت شجرة الحنظل قرب المنضدة التي أجلس عليها لساعات طوال وأنسى أنني لم أتناول وجبة طيلة اليوم. أصل الليل بالنهار لأجل أن تكون أطروحات البحوث التي قدمتُها مقنعة. مساندة صديقاتي وأصدقائي من النمساويين لا تقدَّر بثمن، بل إن التشجيع المستمر وبث الطاقات الخلّاقة هو الشيء الذي شدّ من أزري وقوّى عزيمتي لأستمر في الطريق التي بدأتها وأتمسك بأهدافي التي تصاحبها المقاومة والابتسامة التي لا تفارقني، ولكنها تتشكل بوردها وشوكها، فرحها وحزنها، سخريتها وجسارتها. الابتسامة ظلت دائماً على وجهي علامةَ انتصار لأجل الحياة.
أول بحثٍ قمت به كان عن الاندماج بين السراب والمطر من وجهة نظر المرأة الإفريقية المقيمة في "فيينّا". إذ إن مفردة "الاندماج" تصيبني بحرقة الروح، أرى أن دورنا أكبر من كونه عملية اندماج، نحن هنا لأجل أن نشارك ونكون جزءاً من مجتمع يعترف بتعدد مواطنيه وتنوعهم، ومن هنا تتشكل قوتنا ومنعتنا. خبراتي التي كوّنتها في السودان كان لها الاثر الكبير في دفعي للأمام، فالعمل العام هناك كان نواة انطلاقي. مؤسسة الاندماج الفيينّاوية قامت بدعم هذا البحث؛ الأول من نوعه عن رؤية المرأة الإفريقية في أمر الاندماج. كوّنت لجنة من عدد من النساء من نيجيريا، والصومال، والسودان ورواندا، وتم تدريبهن على كيفية إجراء الاستبانة. كانت المرة الأولى التي نلتقي فيها، نساء إفريقيات يعبّرن عن وجهة نظرهن. من المهاجرات النيجيريات كان هناك ثلاث نساء، فـ"القبيلة" هنا لن تسمح بإزالة حواجزها النفسية، لذا لا بد من وجود نساء يمثّلن "اليوربا" و"ايدو" و"ايغبو".
حدث معي مثل هذا... في إحدى المرات رفضتْ سودانية من الجنوب مصافحتي في مؤتمر نسائي عن استراتيجيات التضامن والتشبيك بين النساء، وهناك صديق من جنوب السودان طلب ألّا أكون حاضرة في قضيته في المحكمة العليا للّجوء، التي كنت أعمل جزئياً معها كخبيرةٍ في الشأن السوداني. أحزنني هذا الموقف كثيراً، أحزنني وأغضبني وكان علَيّ أن أدفع ثمن جراحات تاريخية غائرة ومن الصعب تجاوزها إلّا بمزيد من المواجهة والحوار. ويحدث الصراع الإثني نفسه بين النساء الصوماليات اللاتي شاركن في ورش العمل التي أقوم بها، حيث تسيطر القبيلة على الذهنية بشكلٍ يشكل عائقاً في التعاون والعمل المشترك، خاصة أنهن يقتسمن المصير المشترك نفسه كلاجئات. إذن جئنا بكل حمولاتنا التاريخية وجراحاتنا وآثار مستعمرينا التي لم يحِد عنها ساستُنا بعد الاستقلال في أغلب دول القارة، وما زالت تلك التقسيمات الاستعمارية عن إفريقيا السوداء موجودة، كأنما هناك إفريقيا بيضاء!
هذا البحث كان ضربة البداية لمعرفة وضع المرأة الإفريقية المهاجرة، وأصبح المرجعية الأولى لكثيرٍ من المؤسسات العاملة في مجال دعم المهاجرات، بل تجلّت النتيجة بتسلّمي أول وظيفة استشارية للنساء الإفريقيات المهاجرات في إحدى منظمات الاستشارة للمهاجرات، وبدعم من مؤسسة الاندماج النمساوية.
نتيجة البحث أكدت أن النساء المائة اللواتي قام الفريق بإجراء المقابلات معهن، درسن في بلادهن المرحلة الثانوية على الأقل، بل إن بعضهن كنّ يعملن ولديهن خبرات. إذن المشكلة في سياسات مكتب العمل في بناء استراتيجيات تشارك فيها تلك النساء بحيث تتوفر لهن وظائف.
تجربتي في التمييز النوعي والإثني حرّضتني لأبدأ بالبحث عن التجارب التي عاشتها المرأة الإفريقية، على ضوء توصيات مؤتمر جنوب إفريقيا لمكافحة العنصرية في أغسطس/سبتمبر 2001. تقدمت بمشروع بحثي لمعهد رينا للعلوم السياسية الدولية ولحكومة "فيينّا" عبر منظمة التضامن النسوي بـ"فيينّا". تم تمويل المشروع واتبعتُ طريقة البحث الأول نفسها، أن يعمل معي فريق بعد التدريب على كيفية إجراء البحوث. قمت بإجراء المقابلات مع عشرة رجال نمساويين لمعرفة تصوراتهم عن المرأة الإفريقية. هذه الصور النمطية تطابقت مع الصور التي قمت بتحليلها في بحث الدكتوراه، فالمرأة الإفريقية وفقاً لتصورهم مضطهَدة، وفقيرة، وولودة. تشير إلى ذلك بعض الملصقات التي تنشرها بعض المنظمات المعروفة والعاملة في مجال ما يعرف بـ"مساعدات التنمية" لعوالمنا. مثال ذلك ملصق عن امرأة إفريقية بملابس رثة وأطفال يلتفّون حولها والذباب يحطّ على وجوههم.. إنها صورة لإثارة التعاطف لدى أصحاب القلوب الرحيمة للتبرع، ولكنها ترمي أيضاً بظلالها على المهاجرات والمهاجرين الأفارقة ودون إشارة إلى أن هذه القارة الأم ثرية وفيها ما يكفي لمواطنيها لو تم استغلال ثرواتها وإيقاف الدعم لحكامها الدكتاتوريين.
صورة الرجل الإفريقي لا تختلف عن صورة إفريقيا في الذهنية الأوروبية، وأثناء تناولي لموضوع التنميطات كان لا بد من الوقوف عند التنميطات عن الرجل المهاجر عموماً، والرجل الإفريقي على وجه الخصوص، فقد لعب الحزب اليميني النمساوي دوراً كبيراً في هذا المجال، بخاصة إبان الانتخابات، واندفعت بعض الصحف النمساوية لتشويه صورة الرجل الإفريقي وتقديمه على أنه مروج وبائع للمخدرات. أما المرأة الإفريقية فتتمتع بحسب ما صوّرتها تلك الذهنية، بعجيزة كبيرة وصدر يسعُ الكون. غير أنها تلبس المزركش من الفساتين، وهي مختونة، وتثير الشفقة.
ما يدعو للتأمل ما قاله لي أحد الذين أجريت مقابلات معهم، بأن ما يميز المرأة الإفريقية أنها "جيدة في السرير"، أما المرأة الأوروبية فـ"جيدة في المكتب". إنه التمييز الذي طال النساء الإفريقيات والأوروبيات على السواء بسبب النوع، ولكن المرأة الأوروبية حتماً لم تجرب ألم العنصرية بسبب اللون، وهذا الإحساس هو ما يجمعنا كنساء إفريقيات بالرجل الإفريقي في حراكنا نحو حقوقنا المشروعة التي لا ينتقص منها أننا خُلقنا بألوان داكنة.
استمرت لوعة البحوث الموجّهة لخدمة المجتمع، ومنها بحث عن تعزيز الأطفال الإفرونمساويين، وقد دعمه معهد رينا للعلوم السياسية الدولية، وتم تدشينه في عام 2004. هنا أجد قواسم مشتركة بيننا كنساء تعرّضن للتمييز، وبين نساء نمساويات متزوجات أو صديقات لرجال أفارقة، إذ إن بعضهن تزوجن دون رضاء الأسرة، وأحياناً كان يتم إيقاف الرجال في الشارع لتفتيشهم، خاصة أيام حملة "محاربة المخدرات"، وكأن المخدرات تُصنع في إفريقيا، وقد اعتُقل حوالي مائة من الأفارقة حينها بتهمة تجارة المخدرات.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وازدياد موجات العنف على بعض النساء المحجّبات، قمت بإجراء بحث موجّه أيضاً لخدمة المجتمع وموّلته المنظمة الفيينّاوية للتنمية، حللتُ فيه آراء النساء المسلمات، وفعلاً حدث تغيير سلبي بعد تلك الأحداث.
وركزت في جانب آخر على قضايا السودان وعكسها من خلال بحثين؛ أحدهما عن العودة الطوعية بعد إعادة بناء جنوب السودان من وجهة نظر المرأة النازحة، والثاني عن استراتجيات محاربة الاتجار بالبشر، وهو أول بحث في السودان في هذا المجال. تجربة عملي كمستشارة في مجال دعم النساء ضحايا الاتجار بالبشر مهّدت الطريق أمامي لأعرف أنّ قبح العالم لا يُزال إلّا بمزيدٍ من أفعال الجمال.
على المستوى المحاضرات وورش العمل كان الآخر دائماً حاضراً، الآخر الذي شغلني على مستوى أكاديمي. هي تجربة أفادتني كثيراً وفتحت ذهني على آفاق أعمق، أعمق كثيراً. ولأنني أعول على الأجيال الجديدة وعلى قدرتها على التغيير والتضامن الإيجابي دون اعتقادنا أن هناك معياراً ثابتاً ينبغي أن نمشي على إيقاعه، كانت المادة التي قمت بتدريسها في جامعة "فيينّا" على مدى فصلين دراسين: "نحن والآخر". من نحن، ومن الآخر؟ وأيّ دوائر تربط بيننا، وكيف نجعلها أكثر اتساعاً؟ الصور المعلّبة والنمطية كانت لدى الطرفين؛ طلابي وطالباتي في كلية العلوم السياسية، وطلاب جامعة قطر وطالباتها أيضاً.
فمن جهة؛ "الأوروبيات يقصصن شعورهن مثل الرجال، ويلبسن بنطلونات الجنيز، والأسرة السعيدة تتكون من زوج وزوجة وطفل وكلب"، و"الأوروبيون ضد الإسلام والمسلمين" و"يمارسون الحب في الشارع". ومن جهة أخرى: "النساء مضطهدات في المنطقة العربية، وولودات، ومكتنزات"، بل إن إحدى طالباتي قالت لي إنها كانت تنوي أن تأخذ معها فِراشاً صغيراً لتفترشه في الصحراء حين نسافر إلى قطر، ولكنها فوجئت أن أول ما استقبلَنا هناك هو شجرة عيد الميلاد في قلب مطار الدوحة.
لقد تغيرت بعض الصور بعد زيارتنا لجامعة قطر. وبعد أن نسقتُ وبمبادرة مني رحلةً بالتعاون مع البنات النابهات والأولاد الأذكياء إلى "فيينّا". على مدى أسبوع كامل كان ما قدمناه كفيلاً بزحزحة الصور الراسخة. أجريت حوارات وسجّلتها مع الطالبات والطلاب في مجموعات صغيرة في إطار الفصل الدراسي، وفعلت هذا مع طلاب جامعة قطر، وأجربت المبحث نفسه مع المجموعتين بعد الزيارتين والحوارات التي دارت، وتحليل هذه الحوارات أكد أن هناك الكثير من الصور تزحزحت.
بعدها تحولت إلى جامعة الاقتصاد باحثةً، وإلى جامعات أخرى محاضرةً غير متفرغة، ولكن تظل هذه التجربة علامة مميزة في مشواري الأكاديمي/ الثقافي، ما يعني مشواري الإنسانيّ، فلذّة المعارف والبحث عنها لا تضاهيها متعة.
عملت في كلية العلوم السياسية على مدى عشرة فصول دراسية (خمسة أعوام)، ولن أنسى ما حييت أنني حين ضاقت الدنيا عليّ، ذهبتُ لـ"سيغلندا روزنبيرغر"، البروفيسورة المشرفة على رسالة الدكتواره، وأخبرتها أنني لا بد أن أسافر إلى الخليج وأجد عملاً، لأن الأوضاع هنا تسير إلى الأسوأ وتعبتُ من البحث عن تمويل كلما أنهيت دراسة. كان ذلك في مقهى بالقرب من المعهد في مبناه القديم بشارع فيرنغر. سألتني في سبيل مساعدتي وبتضامن حقيقي؛ ما إذا كنت أرغب في تقديم محاضرات في المجالات نفسها التي بحثت فيها، وأغلبها يرتبط بالهجرة وسياستها وانعكاسات ذلك على المهاجرات والمهاجرين. كأنني ما سمعتها، كأن السماء تفتح وترميني بثمارها وطيبها. مرة واحدة في الأسبوع سأقوم بالتدريس في واحدة من أعرق جامعات العالم؛ جامعة "فيينّا".
كان المبلغ الذي أتسلّمه كل آخر شهر يعني لي الكثير، ولكن الأكثر عمقاً هو أن اسمي مسجَّل رسمياً في سجل العاملات في التدريس الجامعي. لم أعرف كيف أشكرها على هذه الوقفة والتضامن النبيل وهي تشد من أزري مؤكدة أنني مؤهلة وأنني سأنجح. ما كان أحوجني لأسمع مثل هذا الكلام. خرجت من المقهى سيراً على الأقدام باكيةً بحرقة، وتركت دموعي تنهمر بسلاسة وأنا أتذكر درجة الشرف التي تخرجت بها هباءً منثوراً بقرارات معيدة الكلية سعاد الفاتح، فكيف لها أن تعين ناشطة سياسية مثلي؟ كيف وسياسات الصالح العام يطيح يميناً ويساراً بالمؤهلات والمؤهلين،.. كيف كان لي أن أحلم بالتعيين كمعيدة وأدخل المعاينة لأخرج "صفر اليدين" وجوفي تزمجر فيه ريح الغضب الحزين والحزن الغاضب؟ كيف ترفضني بلادي وتقبلني بلاد بعيدة، النمسا التي فتحت لي الباب وقالت لي: "هيا.. اصرعي المستحيل". و.. (بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ).
تجربة التدريس لوعتي التي أشتاق لها كلما ابتعدت عنها. يزور محاضراتي كثيرٌ من الطلبة النمساويين وبعضُ الطلبة المهاجرين. ونظام تقديم ورقة وعرضها لبقية الطلبة والطالبات نظام أكاديمي أعدّه سبباً أساسياً في غرس الثقة في الأجيال الجديدة لتقف بصلابة وهي تقدم نفسها ومشاريعها، تمهيداً لدروبها في المستقبل، الدروب المحكومة بقانون ديمقراطي ساهمنا جميعاً فيه. مرة قدم لي طالب من ألبانيا ورقة عن سياسات الاندماج، وعرفت أن هذه المادة هي أولى محاضراته في أول فصل دراسي له بعد إنجاز تعلم اللغة الألمانية. رأيتني في وجهِه وأنا أرتجف من الخوف حين قدّمتُ قبل سنوات طويلة عرضاً لأحد المواضيع المرتبطة بعلوم الإعلام والاتصال. زميلته تمد له منديلاً ليجفف عرقه، ودون أن أشعر صفقت له، صفّق بعضهم معي، ثم انطلق لسانه بطاقاتٍ إيجابية. تذكرت يومَ شاركت بالحضور في محاضرة عن التنمية المتوازنة وحماية البيئة، ولأن موضوع رسالة الماجستير كان عن دور الراديو في تنمية الوعي البيئي لدى المرأة السودانية خلال جهاز الراديو، كنت أحرص على حضور أيّ محاضرة حول هذا الموضوع. يومها رفعت إصبعي لأتكلم، ولكن خذلتني اللغة، ثم بصوت واجف قلت لهم: "اليوم كان امتحاني الأخير لأنال شهادة اللغة الألمانية وأبدأ الدراسة". ضجّت الصالة الصغيرة بالتصفيق وكانت قطرة البداية نفسها التي اقتسمتها مع هذا الطالب، هو نفسه الذي التقيته مصادفةً في أحد النشاطات وكان أحد المتحدثين على المنصة، لم أعرفه وإن بدا مألوفاً لي. حيّاني بلطفٍ جَمّ وقدّم كلمات الثناء والعرفان مشيرا إلى ذلك اليوم حين كان طالباً عندي. بل حكى ذلك أمام الجمهور وكانت فرصة لأقول رؤيتي عن الطاقات الخلاّقة.
كنت أنظم محاضراتي أحياناً خارج قاعات الجامعة، وأخرج مع الطلبة وبهم إلى محلات تخص مهاجرات ومهاجرين، في قاعة مقهى أو مطعم، أردت أن يكون الإطار النظري مرتبطاً بالعملي، عملياً بمعايشة المهاجرات والمهاجرين في رحلة أشواقهم اليومية.
تعلمت من هذ الجيل كيف يمكن أن تكون العملية التعليمية عملية حلزونية، قلتها لهم: "أنا قاصرة في مدى المعرفة، وسأظل قاصرة، لذا لا تبخلوا عليّ بثمراتها مهما كانت ملأى بالشوك". حين اقترحت عليّ البروفيسورة "سيغلندا روزنبيرغر" أن أكون محاضرة غير متفرغة بكلية العلوم السياسية، قلت لها إن الألمانية ليست لغتي الأم، فردّت علي بقولها إن المحتوى أو المعنى هو المهم... وكان أن تعلمت أكثر من هذه الأجيال، وما زلت أتعلم.
ورغم انقطاعي عن التدريس بكلية العلوم السياسية منذ عشرة أعوام، إلا أنني ما زلت ألتقي بعض من درّستهم مصادفة، في الشارع، أو في وسائل المواصلات، أو في محاضرات عامة، أو خلال مظاهرات تضامنية. كنت أحرص على سماع رأيهم بطريقة تدريسي، وأسعد أكثر للنقد البنّاء. علّموني أن تظل رغبة البحث والتحليل في ذروتها دائماً.. لذا ظلت البحوث لوعتي، وما زلت أحنّ للتدريس... أحنّ إلى تفاصيل حدثت ولكنها لم تعبر ولن تعبر ذاكرتي. كيف إذن أختصر كل هذه المسيرة في فصل واحد، وهي تجربةٌ تحتاج إلى كتاب قائم بذاته؟!
• نشاطات مرتبطة بالوعي البيئي
واصلت في النمسا ما بدأته من عملٍ في المجال العام بالسودان، وفي مقدمة ذلك نشاطي في الجمعية السودانية لحماية البيئة الذي بدأ في عام 1991 واستمر حتى لحظة كتابة هذه السطور. التشجيع الذي وجدته من عم أحمد عمر سعد له الرحمة، والدكتور عيسى محمد عبداللطيف، والدكتور نمر، كان له الأثر الأعمق في التحول الذي حدث في مسيرتي العملية والعملية. فقد كنت اقترحت أن أعدّ برنامجاً للإذاعة عن حماية البيئة، ووضعت الخطة، وتحاورنا، ثم اتفقنا بحماسة، إذ إنه أول برنامج يتناول قضايا البيئة في السودان، وكان من إعدادي وتحت إشراف الجمعية السودانية لحماية البيئة، وأشرف عليه علمياً د.عيسى محمد عبداللطيف، منسق جائزة زايد لحماية البيئة بدولة الإمارات. تم بث 27 حلقة من البرنامج عبر إذاعة البرنامج الثاني بالإذاعة السودانية، وما زال البرنامج مستمراً وتناوب على إعداده من بعدي عدد من الزملاء.
حين غادرت السودان كنت أعرف خطتي وماذا أريد وكيف، لكنني لم أعرف أن الوصول إلى أول النهر يحتاج إلى إرادة لا تلين، وإن لانت فلكي تستجمّ أفراسها فقط. جئت إلى النمسا بخطاب من الجمعية السودانية لحماية البئية فوّضوني فيه بالتحدث باسمهم، وكانت ثقةً رسخت ثقتي بنفسي وقدراتي، وقد حدث أن تواصلت مع مؤسسة الإرشاد البيئي في مدينة "هولابرون" حيث سكنت في سكن طلابي تابع لـ"الإفرويشن" والحركة النسائية الكاثوليكية (المنظمة التي منحتني لأنجز الماجستير في "دور الراديو في تنمية الوعي البيئي لدي المرأة السودانية"). هنا التقيت المتخصصة في علوم التغذية التي صارت أقرب الناس إلى روحي "روز ماري سيتغروبر"، التي آمنتْ بفكرتي وشجعتني، وكانت الضربة الأولى إنجاز معرض مشترك بين الجمعية السودانية لحماية البيئة ومؤسسة الإرشاد البيئي بالمدينة، وتم تدشين المعرض وسط قراءات شعرية عن قضايا البيئة بمشاركة الشاعرة النمساوية "غيرليندا باوشنفاين"، وكنت في ذلك الحين أبذل محاولاتي الأولى في الترجمة بشقّ الأنفس، وحالما عرفت معاني الكلمات انسابت الفكرة. وقرأتْ هي نصوصي بالألمانية والتي ترجمتُها بنفسي قبل أن تقوم "روز ماري" بتصحيحها بعد حوارات استمرت طويلاً. جاء المعرض بعنوان: "حماية البيئة لا تعرف الحدود". وكان الحضور متنوعاً، ورافقنا بالغناء والعزف الصديق الفلسطيني المقيم من سنين طويلة في النمسا مروان عبادو.
من بعيد كان عم أحمد سعد عليه الرحمة، والفيلابي، يسندان فكرتي ويرحبان بها، حكيت عن عم أحمد لتلاميذ وتلميذات مدرسة اليونكسو بـ"فيينّا" وهم ينفذون المشروع الذي قدمته لهم ضمن برنامجهم الدراسي بعنوان "حماية البيئة تحتاج إلى أكثر من تضامن"، حكيت عن الجمعية السودانية، عن تجربتي فيها، عن عم أحمد، ضجت القاعة المكتظة بالتلاميذ وذويهم بالتصفيق، وعم أحمد كان معنا أيضاً، لم يفارقني وتلاميذ وتلميذات المدرسة يتواصلون مع مدرسة فاطمة بنت الخطاب، تلك المدرسة التي كانت تلميذاتها غالباً يجلسن على الأرض في رواكيب لا تقيها الشمس، ومع ذلك بقيت معلماتهنّ رغم الوضع القاسي شامخاتٍ مؤمنات برسالتهن تجاه الطالبات، نجمات مستقبلنا.
طيلة معرفتي بالفيلابي ظللنا نتشارك الأفكار والأحلام الكونية، وبحسه الطوعي العالي لم يبخل يوماً -رغم كل الظروف- في إسناد مشاريعي منذ أن كانت فكرة. نفذ تلاميذ مدرسة اليونيسكو مشروعاً لتحسين مدرسة فاطمة بنت الخطاب، لم تكن الفكرة جمع مبالغ من المال لإرسالها لتلك المدرسة، إنما انطلقت الفكرة من أن عالمنا يحتاج لتضامن، وأن "العالم الأول" مسؤول بشكل أو بآخر عمّا يحدث في جنوب كرتنا الأرضية، نفذت الفكرة انطلاقاً من مبدأ التضامن، وخرجت مدرسة فاطمة بنت الخطاب إلى عالم الإنترنت وذلك من خلال الدورات التي نظمها الفيلابي بالتعاون مع إدارة المدرسة وجامعة السودان لإنجاح التواصل مع تلاميذ مدرسة اليونيسكو. أشرف الفيلابي على هذا المشروع في السودان، مما ساهم بشكل مباشر في نجاحه، وكتبت عنه اليونيسكو في تقريرها السنوي بأنه من أنجح المشاريع التي قامت بها مدارس اليونيسكو في "فيينّا"، كُتب عن هذا المشروع في النشرة الدورية "انفوبول" التابعة لمؤسسة الإرشاد البيئي بمقاطعة النمسا السفلى، حيث نشروا بعض المقالات التي كتبتُها عن البيئة وعن دور الجمعية السودانية في حمايتها. المجهود الذي بذله الفيلابي لنجاح هذا المشروع يحتاج تكريمه، كان مدهشاً، وقد أحسست الدهشة في عيون التلميذات والتلاميذ في حي (فلورزدرف) وأنا أترجم لهم معاني كلمات الأغنيات التي نادت بحماية البيئة والسلام والعدالة.. بكلمات بسيطة، عميقة المعنى، حفظت البناتُ اليافعات بمدرسة فاطمة بنت الخطاب الأغنياتِ التي يكتبها المبدع الفيلابي.
كل هذه الدروب مشيتها واثقة الخطى، وبقي عم أحمد "فانوسي" الذي لا يفارقني.
نفذنا مشروعين؛ أحدهما في مدينة "كوستي"، في المدرسة الابتدائية التي بدأت فيها رحلتي المعرفية، وكان الحلم يتحقق حين نفذ طلاب مدرسة اليونيسكو مشروعاً آخر، وبما تم جمعه منهم تم شراء صهاريج للمياه ورافق المشروع الوعي بضرورة المياه للسلام. المشروع نفسه تم تنفيذه في مدرسة قرية "أبو قدوم"، حيث تم إيصال المياه ومن ثم إكمال بناء صفّين وتسوير المدرسة. كل هذا كان كافياً لأتصالح مع نفسي ولتنبع حوارات جريئة مع التلاميذ الذين تضامنوا مع تلاميذ في ضفة أخرى كان لهم أن ينعموا بالمستوى نفسه من التعليم والصحة والرفاهية لو أن ثروة العالم وسلطته تم توزيعها بالتساوي، ولو أن تلك البلاد تعتمد الحريةَ أساساً للتنمية، فالسودان مثل بقية بلدان إفريقيا وبلادنا النامية، ليس فقيراً، بل تم إفقاره.
نشاطات عديدة لا يمكن ابتسارها هنا، ورش عمل ومحاضرات مع مجموعات مختلفة على مستوى مدن النمسا وريفها. وهي ضمن اعترافاتي بأنني "قد عشت".. عشت وسأعيش ما دامت هناك حياة أفعّلها مع رفيقاتي ورفقائي، وسيستمر الحلم، الحلم بعالم تسوده المحبة حتى اخضرار لحاء الطريق. منهجيتي في ورش العمل التي أدرتها أو المحاضرات التي قدمتها عبر مسيرة 24 عاماً في النمسا تقوم على الحُبّ الذي به تشرق شموسي وضحكة بعيدة تملأ المكان بالفرح. في المحاضرات عن الحرب أحكي عن الحب، عن حياة الناس بعاديتها وبساطتها، حياتهم قبل أن يصطادهم الموت المدبَّر بأيادي السلطة.
لم تعد بي قدرة لرؤية الدماء والأشلاء، لم تعد بي قدرة إلا للحفاظ على حفز المشاعر الإنسانية.. لذا أغلقت التلفزيون في بيتي واكتفيت بقراءة الصحف..
في ورش العمل أجعل المشاركين والمشاركات يخرجون للشارع، للحقول النمساوية.. أجعلهم يعيشون التجربة، تجربة كيف تزرع النساء هناك، وكيف يعيش الأطفال حياتهم، وكيف يحبون الحياة؟
منهجيتي تأبى فكرة العطف والشفقة وتقوم على شجرة التضامن الحقيقي.. التضامن الواعي لأجيال جديدة تعي تماماً أن ثروة العالم وسلطته تحتاجان إلى إعادة توزيع، إذ يوجد ما يكفي من الثروات في العالم لجعل الطفل في السودان (أو: الهند، الصومال، بورندي، سوريا، العراق، فلسطين، المكسيك... إلخ) يذهب إلى المدرسة صباحاً بعد كوب حليب دافئ، يكتب ويرسم ويعزف على الجيتار أو يدقّ على الطبل.
هكذا أخرج بعد كل محاضرة أو روشة عمل؛ قمريّة "تُقَوقي" بالحب الكوني، فبالحب وحده لا بسواه تكون التنمية.. تكون الحياة.
ومع ذلك، فالأمر أصعب بكثير مما نتصور؛ أن تطرح نفسك بكل حمولاتك الثقافية ومرجعياتك، وفي الجانب الآخر بكل حمولات التنميطات والكليشيهيات المعلّبة... فكيف يصل صوتنا ونطرح قضايانا وكيف نستفيد من كل سانحة، وأيّ تشجيع مهما كان نوعه أو حجمه يشجي الروح والعقل.. عرفت ذلك بعد أول جائزة منحتها لي الحركة النسائية الكاثوليكية؛ جائزة "هيرتا برامر" للمرأة الفاعلة... كانت ضربة البداية التي آمن بها معهد "الإفرويشن" بعد أن اقتنع بمرجعيتي السودانية في العمل العام منذ كان العمر غضّاً (ستة عشر عاماً).
معرفة الآليات التي تعمل بها منظمات المجتمع المدني والمداخل لذلك مهمة، ولا أضيع فرصة يمكن أن تفتح نافذة لبلدٍ منحني للعالم بكل اعوجاجي وأحلامي. لجنة الدفاع عن سجناء الضمير إحدى لجان "القلم العالمي"، ونشاطي فيها، وكنت بحبات البنّ والطين والنخيل والنيل هنا. لم يكن الشاعر المصري عمر حاذق وحده وترجمتي لنصوصه ورسائله التي كتبها من داخل معتقله، الأمر الذي ورطني بمحبة في عملٍ مضنٍ لإنجاز كتاب في أقل من ستة شهور.. وكذلك الإعلامي ومؤسس صحيفة "الراكوبة" السودانية المعروفة والأكثر مقروئيةً، وليد الحسين، وكان أول سوداني يتم اختياره كعضو شرف، وقد تابعت قضيته من قرب على مستوى "القلم"، وبذلنا جهودنا لإطلاق سراحه وحماية أسرته. وهناك الإعلامي "جمع كميل" من إرتريا التي شغلني أمرها منذ سنوات طويلة، وكان اختياره عضواً فخرياً في "القلم" هو البداية التي ستساهم في إطلاق سراحه بعد اعتقالٍ دام سبعة عشر عاماً تحت الأرض..
وهناك ترجمتي لرواية الروائي السوداني عبدالعزيز بركة ساكن (الخندريس)، وهي أول عمل له يُترجم للألمانية، بل بادرت ونسّقت لفعالياته التي قام بها في النمسا منذ زيارته الأولى وحتى استقراره بالقرب من مقاطعة "سالزبورج" وذلك عبر معهد "الإفرويشن" الذي دعم الكثير من مشاريعي منذ كنت طالبة ممتوحة من قبلهم لإكمال دراستي الجامعية المتقدمة. قمت بذلك تضامناً عبره مع كاتبات وكتاب السودان ورداً على الهجمات التي يتعرض لها بعضهن وبعضهم من قِبَل مؤيدي النظام. كانت المرة الأولى التي يتم تسليط الضوء فيها على قضايا الكتاب والكاتبات في السودان عبر هذا النشاط، إذ لا أحد يعرف شيئاً عنهم أو عن كتبهم وإصداراتهم.
مع ذلك أقول إنني لا أرى في الأمر أيّ بطولة ذاتية، بل أرى كل ذلك في روح العمل الجماعية والمساندة والاعتراف بك وبقدراتك، وكل ذلك يتم بروح طوعية من دون أن يُدفَع لنا "سنت" واحد رغم أن في ثقافة الأوروبيين أن كل عمل تقوم به لا بد أن يكون له ثمن، وبوعي متقد أعرف أن لا ثمن يضاهي ذلك التصالح الذي أحسه حين أضيء مساحة ظلّت مغلقة.
تجربتي في العمل العام في السودان والنمسا تحتاج إلى كتاب قائم بذاته، إذ تمتد على مدى خمسة وثلاثين عاماً هي عمر بدايات النضوج وتكوين أفكار ورؤى مغايرة. أما عن الإحباطات والخيبات والهزائم التي مُنيت بها في العمل العام فقد كانت قاسية، ولكنها لم تقتلني، بل علّمتني كيفية التعامل مع القادم من صفعات. الجحود والنكران لي منهما نصيبٌ كبيرٌ، إذ لم تتوقف محاولات تكسير مجاديفي، ولكنها لن تنجح لأن العواصف تعرف أن الأحلام التي قد تذروها رماداً تشتعل في الأرض جمراتٍ للوعي.
حلمي بأن يؤثر ذلك إيجابياً ويساهم في تغيير الصورة النمطية. كثيراً ما أسمع، خاصة في المستشفيات التي زرت فيها مرضى أو كنت فيها نزيلة، أن النساء المسلمات يستخدمن الكثير من المياه في الحمّام ويملأن القنينات بالمياه التي تسيل وتملأ أرضية الحمام، أو أنهن ولودات، وقد استخدم الحزب اليميني المتطرف هذه الصورة في إحدى دعاياته الانتخابية. أول ما قمت به في هذا الشأن إنجاز دراسة عن "قضايا الصحة الإنجابية لدى المرأة الإفريقية والعربية المهاجرة"، وقمت بتدريس النتائج التي توصلت لها هذه الدراسة في مدرسة الدايات في الدورات التعليمية التي تجمع عدداً كبيراً جداً من القابلات العاملات في مستشفيات النمسا. تعودت أن أفتح ذهني لأقصاه رغم ما يجترحه من أسئلة تنميطية، ولكن لا وسيلة لإزالة غبش الرؤية دون الحوار. هذا الموضوع نفسه مع إضافة مقارنات عالمية، قمت بتدريسه في كلية العلوم السياسية في إطار عملي محاضرةً غير متفرغة.
كل هذه الفعاليات جعلتْ مني خلية نحل لا تهدأ كلما نادى منادي الإنسانية. تغيرت رؤيتي لكثير من القضايا وكيفية معالجتها، اكتسبت كثيراً من الخبرات، وتعلمت الكثير من جميع اللاتي والذين التقيهم في مسيرتي. عرفت معاناة المرأة المحجّبة التي يتم تمييزها لمجرد ارتداء الحجاب، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعرفت معاناة الأطفال الذين منحتهم إفريقيا آباء وكانت أمهاتهم من أرض الدانوب. عرفت كيف تعاني بعض الفتيات لأن أسرهن رفضت أن يكون لهن رفاق سود. عرفت كيف تحس الأم منهن حين يتم تمييز طفلها، لأن لون بشرته مختلف. كل هذا دفعني لأحوّل طاقات حزني وغضبي بسبب ما تعرضتُ له وتعرض له المهاجرون من الجنسين من تمييز.
أدركت أن الآخر لن يغير وجهة نظره ولن يبدل المفاهيم والتصورات المعلّبة الجاهزة ما لم نفتح فضاءات للحوار، قد يرفضك بعضهم لأسباب غير موضوعية، فلم يَختَرْ أحد لونه، وكلُّنا أصلُنا الأرض. في مرةٍ كنت مشاركة في مؤتمر عن مساعدات التنمية وبناء استراتيجيات للتعاون مع الدول النامية. كنت أربط صغيري على بطني بيد، وبيدي الأخرى أسحب حقيبتي. سألت أحد المارة عن صحة العنوان، لأن الشارع تفرّعَ عنه شارع آخر، فخرج ردُّه معلّباً جاهزاً: "في هذا الشارع لا يوجد مخيّم للّاجئين، أعتقد أنك في الطريق الخطأ". قلت له: "لا أريد مخيّماً للّاجئين، بل أريد المنظمة التي سيُعقَد فيها مؤتمر عن سياسات التنمية"، فاعتذر بلطف وتهذيب ودار حوار قصير بيننا، ولكنه كان كافياً لترك أثر إيجابي في نفس كلٍّ منا، وهنا تأتي أهمية التواصل والحوار مع الآخر.
جراحات العنصرية أزهرت، أزهرت شوكاتها في حدائق الوعي، عكس كل ما عايشته كفرد لا ينفصل ولا يمكن قراءة معايشاته بعيداً عن بقية المهاجرات والمهاجرين، بعيداً عن اللاتي والذين تم تمييزهم.. سيرة الرق والاسترقاق.. انتهاكات حق الآخر بسبب لونه، أو معتقداته، أو أصله.. ما هو أصل الإنسان؟ أليس الأرض؟ تلك الجراحات أزهرت في نشاطات جعلت ماء الحياة يجري في عروقي، أحس بوجودي، أحس بأصوات تعلو وتعلو لأجل الحقوق. أزهرت في جوائز وحوافز عديدة من النمسا، تشفي جراحات الجحود ونكران الجميل.
حين وقفتُ أول مرة في عام 1997، أي بعد أربع سنوات من ولوجي مطار "فيينّا" الدولي، لأتسلّم جائزة "هيرتا برامر" للمرأة الفاعلة، يومها عرفت أن مسؤوليتي تعاظمت، وأن قدري الجميل ألّا أتوقف كيلا تتوقف حياتي. وتوالت الجوائز والحوافز، وكلما نلت جائزة أو اعترافاً أهديه لأهل السودان، للإنسان الذي صنع هذه الأمجاد، للمهاجرات والمهاجرين، لكل من عبر يوماً هنا ممهداً الطريق، لصديقي الكردي محمد الذي قال لي: "يوماً ما ستحصدين غرسك"، لصديقتي السودانية إخلاص زيادة التي لا تكفّ كلمتها عن ترديد الصدى، خاصة حين يصيب الروح الصدأ: "يوماً ما سيكون لك شأن"، قالتها لي في أيامي الأولى وكنت أعرف أن شأني هو شأنها، شأن كل السوادانيات والسودانيين في مهاجرنا العريضة وأوطاننا التي بين الناس.
أزهرت بالوعي حين أقول "لا"، حين نقولها بصوت جماعي. أزهر كلما انتفضنا ضد أن نكون ديكوراً في فعاليات التنمية الخاصة ببلادنا النامية. أزهر كلما أحسست أن امرأة ناشطة تدّعي أنها تؤمن بالنسوية، تجحف في حقي وتؤكد لي حين أقدم مشروعاً لها أنه "ضعيف منهجياً"، فأصمت وأصك على غضبي بعناد، وأعمل على إنجاز المشروع ليكون ردي العملي المزهر.
وتستمر المسيرة، ولن تتوقف عن الهديل..
وكلما جرحتني العنصرية أشجتني مسيرةُ الوعي بالمسرات.
---------------------------
فصل من الدانوب يعرفني، الوجه الآخر لسيرة الأنهار، الآن ناشرون وموزعون بالأردن.






 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الدبلوماسيةالمغربية:هل دقت ساعة إصلاحها..؟

من يحمي عقول شبابنا من ويلات الهجرة...؟

عن كوننا أفارقة سُوْد

بنك الملياردير عثمان بنجلون ببلجيكا وطرد العشرات من المستخدمين