أضيف في 30 مارس 2019 الساعة 12:37


فرقة تزويت:أصالة فنية وأيقونة متجددة

بقلم  إدريس دريسي طالب باحث في علم الاجتماع

يعود تاريخ تأسيس مجموعة تزويت لأحدوس إلى فترة الستينات من القرن الماضي بتغرمت نمكون أو قلعة مكونة إقليم تنغير، فمنذ ذلك الحين أنشأت الفرقة لتهتم بفن أحدوس، كفن تراثي محلي، لتجعل من أحيدوس فن دائم يكرس لثقافة المجتمع المكوني والحفاظ على أصالته وضمان استمراره كأحد مقومات التراث والثقافة الأمازيغية بتغرمت نمكون أو قلعة مكونة.
      إن اختيار اسم "تِزْويت" نابع من كون الرقصة التي تؤدّيها الفرقة والتي تشبه "رقصة" النحلة حينَ تحطّ على أجديك أو الوردة، ومن المعلوم أن  قلعة مكونة تعد من الأماكن القليلة في العالم التي تُنتجُ الورد، وهي من أقدم الورود التي ظهرت على وجه الأرض، وخاصة في النصف الشمالي للكرة الأرضية، ورود برية موجودة قبل وجود ظهور الإنسان. ولكن هذا النوع من الورود القديمة يختلف عن أنواع الورود التي تغرس في نواحي عديدة في العالم، وهذا دليل على مدى قوة وأهمية الورود ورمزيتها بقلعة مكونة وعلاقتها بفن أحيدوس باعتبارها موروث ثقافي تاريخي عريق.
وحسب تعبير أحد أعضاء الفرقة "سي يوسف بلهوى" أن أحيدوس تزويت أو رقصة النحلة هي رقصة جماعية يؤديها الرجال والنساء معا في أشكال متنوعة. وأضاف أن نشأة أحيدوس بجنوب شرق المغرب يرتبط بالشعر الأمازيغي أساسا، الذي تتنوع أشكاله في التعبيرات المتعددة، وهو يجمع بين الرقص والغناء والارتجال في إلقاء "تنظامين" أو النظم، تعبيرا عن روح الجماعة وتضامنها في الحرب والسلم، في مواسم عددية مثل الزراعة والحصاد وتربية الماشية ضمن إيقاعات مدروسة محددة تم التوافق عليها مع مرور الزمن.
      ويتحلق الراقصون نساءً ورجالاً على شكل نصف دائرة أو حلقة متصلة، بالرغم من اختلاف الطقوس التي تؤدّى خلالها كالأعراس والختان ويتقاسم المشاركون الأدوار في ما بينهم؛ فالشعراء الذين يصطفون أزواجاً يتساجلون شعراً، وقائد المجموعة "المايسترو" الذي يضبط بالإيقاع وينظّم حركة كل أعضائها، ويستعمل الاشارات التي تمكنه من ضبط المجموعة، وهي إشارات بمثابة مقوم رئيسي في تنظيم شكل الرقص والغناء بتناغم وتناسق متميزين، يتفاعل الراقصون والرقصات معها قولا وحركة يمينا وشمالا مع التفنن في حسن استغلال المساحة المخصصة للرقص، مع اتخاذ الحيطة والحذر وعدم الخروج عن قوانين الرقصة المألوفة، لأن أي خروج يعتبر خروجا عن الأعراف والتقاليد المعهودة.
       وقد لعب أحيدوس بتغرمت نمكون عدة وظائف اجتماعية وغيرها من المناطق الأمازيغية المجاورة، إذ يعد أحد أبرز فنونهم التي تمثّل المساواة بين الطبقات والفئات المختلفة، إضافة إلى أهميتها في تشكيل الهوية الجماعية التي استطاعت عبر تماسكها أن تثبت تراثها وثقافتها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الفنون انتقلت إلى الفضاء العام في نهاية القرن الماضي وأصبحت تقدم في حفلات محلية وعالمية .وفن أحيدوس بتغرمت نمكون أو بقلعة مكونة رقصة جمعت تمغارت أو المرأة الأمازيغية بالرجل منذ القدم، يصطف الرجال والنسوة ليرقصوا فرحاً ويعبروا بأجسادهم عما يخالج أعماقهم، يعانقون سماء مكونة بحركات رشيقة تميز فنهم عن بقية فنون المغرب المتنوعة. واستوطن الأمازيغ في شمال إفريقيا منذ القدم، ويتمركزون حالياً في الأطلس المغربي المتوسط والكبير. وتعد رقصة أحيدوس من بين أحد فنون الغناء الجماعي الخاصة بهم، وظهرت الرقصة في أول الأمر على شكل دائري متكامل، لتتغيّر مع مرور الزمن وتستقر في شكل نصف دائرة بحسب ما يؤكد الباحثون. تعبّر الرقصة عن الفرح، وبوجود الفرق التي تحترفها، يحيي الأمازيغ حفلاتهم وأفراحهم، أعراساً كانت أو حفلات، وهو الاحتفال الديني الذي يقام للمولود الجديد، أو أي مناسبة عائلية تجتمع فيها الأسر والأهالي. تجعل الرقصة من كل الحاضرين في الحفل مساهمين ضمن الفرقة، فدقات الدفوف المسترسلة والمتناسقة، التي تحدث الموسيقى الخاصة بأحيدوس، تدفع بهم للدخول في غمار الرقصة ليؤدوا على الأقل جزءاً منها.

وفن أحيدوس يورث من جيل لأخر، وامتهانه ليس بالشيء الصعب على شابات مكونيات أمازيغيات، وجدن في احتراف رقصة أحيدوس وسيلة من أجل الحفاظ على إرث أجدادهن. اخترن الانصهار داخلها طواعيةً ليرافقن أعضاء الفرقة الذكور إلى مختلف المناطق والمدن المغربية والعالمية، فيساهمن في السهرات والمهرجانات محليا في عدة محطات أهمها: مهرجان الورود بقلعة مكونة ، مهرجان عين اللوح ، المهرجان النون الشعبية بمراكش ، المعرض الدولي للفلاحة بمكناس ، مهرجان الثقافة الأمازيغية بفاس ... ودولياً أيضاً شاركت الفرقة خارج المغرب بعدة دول منها الجزائر في مهرجان الثقافي الأوربي، فرنسا، إنجلترا، النمسا، البرتغال، كوريا الجنوبية، الشيلي. تنقّل وتعب وسفر دائم من أجل أداء رقصات فريدة وإطلاق الزغاريد المكونية في كل مكان، هذا ومع مرور الأعوام، أصبح لرقصة أحيدوس مكانة خاصة ضمن الخريطة الثقافية والفنية بتغرمت نمكون المغربية، وفي المغرب أصبح الفن من اهتمامات سياسات الدولة في مجال الثقافية عبر إحياء مهرجانات خاصة بهذا الفن، مثل المهرجان الوطني لأحيدوس. يتم من خلاله جمع فرق من كل المدن المغربية وتكريمهم والاحتفاء بهم، لأن أحيدوس فناً أيقونياً لثقافتنا المغربية، أو جزءاً من الفنون السائدة فيها. وهي رسالة إلى كل الباحثين بالمنطقة من أجل العمل على تدوين وتأريخ هذا النوع من التراث الذي يعبر عن الصورة الرمزية لحضاراتنا حتى يغير الشباب والقراء نظراتهم تجاه ثقافتهم وتاريخهم. تظل المشكلة التي تؤرق الباحثين والمثقّفين. وذلك لكون الثقافة الأمازيغية بشكل عام بقيت معتمدة على التداول الشفهي، من دون اللجوء إلى التدوين، وهذا ما جعل الكثير من القصائد تنسى وتطوى مع الوقت. وهو ما يدعو مهنيي هذا الفن للتصدي له، عبر التدوين للحفاظ على التاريخ الشفهي
لأحيدوس مضمون خاص. بالإضافة إلى الإيقاع الذي تحدثه "الطارة" أو "تكدمت" باللغة الأمازيغية المستعملة في موسيقى الرقصة.

وتبقى لأحيدوس أشعاره الخاصة وهو ايزلان بالأمازيغية. وعبرها يتغنى منشدو الفرقة بمختلف المواضيع المأخوذة غالباً من الحياة اليومية والمرتبطة بالوطنية والمقاومة ومواضيع أخرى تتعلق بالحب "وتيري" أو الحب باللغة العربية
أحيدوس، هكذا تظل الرقصة الأماريغية رمز من رموز الأفراح والمناسبات والمحافل الثقافية، تجسد لتاريخ المجتمع وتاريخ ثقافته العريقة التي لا زالت حية عبر الأزمان بفضل الاهتمام بهذا النوع من الفن المستمر والمتنقل من جيل لآخر عبر تاريخ المجتمع المكوني عامة والإنسان الأمازيغي خاصة






 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



متى نضع "الثقــــافة" على محك التنمية؟

عن خطاب الكراهية في وسائل الإعلام

سؤال إلى وزارة الثقافة :ماهي وضعية الكتاب في مغرب اليوم...؟

ندوة حول "التواصل الرقمي والاندماج المغاربي"

"روضة المواجيد".. عرض غنائي شامل لفن المديح والأغنية الروحية

ناشرو الصحف ينتفضون ضد قانون الصحافة ويتهمون واضعيه بتفصيله على المقاس

الصحفيات السودانيات يبحثن عن تحسين واقعهم المهني

المخرجة الموريتانية الشابة مي مصطفى:مغامرتي السينمائية جعلتني أكثر وعيًا بطبائع البشر وأفكارهم

الفنانة فاطمة الزهراء أحرار قريبا في بطولة فيلم" stays down there "

شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب تحيي الذكرى الثالثة لميلادها بمدينة القنيطرة