أضيف في 26 مارس 2019 الساعة 12:49


فراق الحبيب

على ضفاف (تنرارت) هنا كان يجلس الفتى الذهبي، بطلعته المشرقة ينظر هاته البساتين التي تنحدر على وادي تيشكا، في يومه الأخير كان جالسا في المساء كعادته، ومازال عليه من الثياب البيض الناصعة، من كان يدري أن عزرائيل سيزوره وهو قابع في ثياب الجمعة، وهل يدري هو بنفسه أن ملك الموت الذي وكل به سيقبض روحه على تلك الثياب الطاهرة.. غير أن عادته إزالتها فور خروجه من الصلاة.
     صلى المغرب وتناول قطعة ((الشكولا)) التي كانت أخر لذاته، أخذ يمازح أخواته، يضحك معهن بشراهة وحيوية، كانوا جميعا بعد العشاء يشاهدون الصندوق العجيب، تسلل النعاس إلى إحدى أخواته، فقام إلى غرفته وهاتفه في يده، ليضع أخر تدوينة له في هذه الحياة.. يبدوا من كلماتها أنه مقتنع بالرحيل مهما كانت الظروف، يبث فيها وصية لأمه وأخواته ولأقاربه وأصدقائه وزملائه، وحتى لمن عرفوه ذات يوم في محطات سفره لحفظ القرآن، يعاتب فيها من جزع لرحيله وقدر الله المحتوم..
    على الساعة العاشرة إلا خمس دقائق، ظهرت للعيان حالة حديثة، عليها صورة لإنسان يحمل مظلة سائر إلى مكان بعيد غير آبه بما يحدث بعده، فالفوز محتوم بكل ما يحمل معه من زاد تلك الدار الأخرى، وعلى الجانب الآخر للصورة مكتوبة تلك العبارة التي لا تترك لنبيه أن هذا الفتى قد بدت له علامات موته تلك الليلة، وعارف بما سيخلف من دمار برحيله في قلب كل من يعرفه..
    كانت حالته: ((لكل شيء نهاية، هذا ما يجب أن ندركه منذ البداية)) وكأنه الحبيب يقول لنا بملئ فمه؛ لا تجزعوا لموتي، ولا تبكوا لفراقي، فكما أن لكل شيء بداية ونهاية فلحياتي كذلك نهاية، فكان حري بكم أن تعرفوا هذا في حياتي قبل موتي..
    وأنا أقول لك أيها الحبيب وأنت بين الثرى.. قد عرفت الأحبة وغادروني.. وعرفتك أيها الحبيب فلم تغادرني، حرمت النظر اليك، والحديث بمعيتك، لكنك حي في دعائي، حي في سجودي، وحي بين جنبات قلبي ترزق أصدق الحنين والمواساة.
    ما ذقت يوما شربة مريرة من فراق الأحبة ما ذقت من كأس فراقك، وإني ذرفت دموعا حرى بين الناس ولوحدي فما برأت صدمتي، فكل شيء هنا يذكرني بك..
    هأنذا جالس في المكان الذي أنت فيه جالس مساء ليلة موتك، أنظر قبالتي والصبيان يلعبون الكرة، فأتذكر أيام كنا ندحرج الكرة معا ومع باقي الأصحاب، فتنفلت دمعة رقراقة من عيني دون إذن، فأحول وجهي إلى شامخة ذلك الشلال المنحدر من الأعلى، عل انسياب مائه ينسيني ما ألم بقلبي، فإذا بي أتذكر أخر خرجة زوالية قمنا بها إليه، فتنفلت دمعة أخرى قبل أن تجف الأخرى على وجنتي، ثم إني أحول وجهي مرة أخرى صوب هاته البساتين المخضرة لعلني أجد بينها وردة تنموا  من جديد وقد ذبلت من أثر الجفاء، فلا أجد فيم بينها إلا أثر لذكرى أخرى جمعتني بك في أعز أيام الخريف.. بعدما تناولنا الغذاء بين هاته الجدران وخرجنا نقطف من التين أطيبه وألذه، فما رجعنا إلا ونحن عند هذا النبع المائي البارد.. أفلا يحق لي أن أبكي وأصرخ بملئ فمي أن كل شيء بعدك صار مكفهرا مظلما.. لله ما أشد من إكتوى بنار فراق حبيبه.
    وآخرها وأنا الآن بين مذكراتك وكتبك أتلوا من جميل ما خطه قرطاسك البديع وحنين مداد قلبك المعبر، أقرأ ذكرياتك وأنت بضواحي مدينة ورزازات في بلدة يقال لها لمدينت.. وأقرأ تعبيراتك البديعة عن أول شعرة بيضاء ظهرت في مفرق رأسك.. وأشياء أخرى قراءتها أعز عندي من قراءة كتاب من كتب الثقافة هذه الأيام...
    عن أي وجع أتحدث وأنت رحلت وغبت ولا يمكنني أن أراك قبل يوم القيامة.. سأظل أكتب عنك لعلي أفرج عن نفسي وعن كل من يعرفك شيئا مما يسكن ذواتنا من فراقك.
    لا أشكوا فراقك لأحد غير الله سبحانه، فقد احتسبناه في سبيله تعالى.. فصبرا يا نفسي وأين مني الصبر .

محمد قشتو الإيموزاري

 






 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



أكاديمية فاس مكناس تُسابِقُ الدخول المدرسي ~المقبل بحزمة إجراءات تدبيرية صارمة

38 ألف و304 مترشح لنيل شهادة البكالوريا بجهة فاس مكناس

وزارة التربية الوطنية تطلق الخدمة الإلكترونية "منحتي"

إعلان عن طلب عروض مشاريع جمعيات المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان لسنة 2017

مجموعة وينارت تنظم دورة تكوينية حول الإيجابية في رمضان

ذكريات مدرس

المؤتمر الوطني الرابع للجغرافيين الشباب في أبريل المقبل بتطوان

لوحة للرسام مصطفى البلغيثي من زاكورة

الأخوان التوأم سعد وأسعد كاميل:عشق الموسيقى الراقية وسيلتنا للبحث في كوامن الروح

ابراهيم محمد يكتب:الدولة ومجتمع المعرفة...أزمات متلاحقة وآفاق للتقدم