أضيف في 15 مارس 2019 الساعة 11:19


بين عشية وضحاها

كان المكث لي في تلك الجزيرة الشاسعة الواسعة ما يقارب ثمانية قرون متتالية بدون انقطاع، جئت إليها بعد فتوحات عدة، كان النجاح لي فيها حظا وافرا، إنتصرت في غير غزوة وفي غير معركة... كانت مبادئي مبادئ سمحة، عرفت محمدا بخلقه وأخلاقه، فقد كان أول من فتح لي فؤاده، وضمني إلى صدره، فعاهد الله تعالى على أن يعرف بي مادام حيا، وأن يوصي بي أصحابه وعثرته وأزواجه بعده، فكما كان لي الإنتصار في غير رحبة فوق هذه الأرض، كان لي كذلك في تلك الجزيرة أول مرة دخلت إليها؛ في إثنتي وتسعين للهجرة فتحا مؤزرا، عندما كان الرجال والأبطال يمخرون بحر الزقاق مخرا عبر قوارب شتى، ليعلنوني ضيفا جديدا في مدينة تلو أخرى وجزيرة بعد أخرى..
       وسامحوني إن أكثرت من مدح نفسي فوالله إنه لحق معيون لكل لبيب فاطن، فبعد أن أوصلني لتلك الأرض المباركة فرسان صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأذنوا في المآذن، ونادوا في الأبواق باسمي وعزتي التي كنت أحضى بها من قبل: أن قد صرت ضيفا أبديا عليهم وواحدا بينهم .
       وكانت المجالس تعقد للتعريف بي وبضوابطي المعتدلة التي جئت بها في الناس جميعا، فما تركت صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيتها وظهرت بها في الناس في مختلف البلدان والتواريخ، وكانت تلكم الميزة التي أمتاز بها وشهد لي بها اعدائي-فالحق كمايقولون ما شهدت به الأعداء- فلربما مضى قرن وقرنين وثلاث لا تجدني أتبدل حكما أو وعدا أو وعيدا ولا أغيره البتة، إلا ما صار نازلا مع تغير الزمان، وكم حببت إلي أخلاقي ومعاملاتي ناس غرباء عني، لاسيما في تلك الجزيرة .
        حينئذ فشت أخباري أن قد وردت عليهم، فأصبح المعظم يكبر الله ويهلله أن قد حللت فيهم بعد أكثر من مائة سنة من ولادتي، وقد عانيت كثيرا في الدخول إلى إفريقيا وشمالها، وها أنا اليوم في جزيرة كبيرة كان الرومان أسيادا فيها، لكن من عرف الله سبحانه بادئا مبتدئا بعدله وشريعته، وعرف محمدا تاليا بسنته وسيرته، وأبابكر ثالثا بصدقه وصداقته، وعمرا رابعا بشجاعته وقوته... ومروانا وابن نصير وطارقا... فماذا عساه يخاف بعد، وقد لقي أبطالا يحفونه من كل جنب، ويأخذون بأوامره أخذ محب ودود، وقد أحسنوا التوكل على الحي القيوم الذي جعلني كلمة حق ونور يطرد بها ظلمات الجهل من القلوب.
        فبعدما راكمت مسيرتي رجال غيروا مجرى التاريخ بعدما عانقوني، ونفوا عني كل الزوابع المنسوبة إلي بأصابع الإتهام، أصبحت أتلذذ بالإقدام على كل بلد جديد، وصرت أرى أن مسعاي لن يخلوا في كل حقبة ممن يأخذ بناصيتي وعلى عاتقي .
       كلما تسلقت الأطواد العالية في زحفي نحو جزر العالم إلا وكانت الأهوال والمشاق تجابهني وتجابه هؤلاء المستضعفين الذين لا يريدون إلا الفناء على ملتي، ورغم ذلك كله لا يزيدنا الهول إلا يقينا وصبرا وأملا ونصرا وانتصارا .
        .. ها أنذا أرى طارقا بجانبي وقد أسنده إبن نصير ولاية مدينة من فتوحاته على بلاد المغرب، وما طارق هذا إلا الفارس المغوار، الذي كان حينا من الزمن يحتفل بالأعياد الوثنية في قبائل الصدف، لكنني لما جزت شمال إفريقيا إستكن لخطابي الحق واقتنع، وها هو الآن يركب غمار بحر الزقاق، وقد فاقت طموحاته كل التوقعات، وأبى إلا أن يترك بصمته على وجه التاريخ، فما أن قطع الأمواج حتى نزل بي مصيحا مكبرا مهللا مخاطبا في أهل الجزيرة الخضراء باسمي وتعاليمي .
        وكان من أهل الجزيرة : الشيخ العجوز، والمرأة الحامل، والولد البالغ، والطفل الحالم، والصبي الذي لم يبلغ الفطام بعد، وكانوا يسارعون في الإقبال علي بكل ما أوتوا من قوة، فمنهم من يهرول ولا طاقة له على الأكثر، ومنهم المسارع الظافر، أما أولئك الكهول فرغم دبيب سيرهم إلا أنهم كانوا أصدق في قلوبهم،  وأحتضنوني أشد الحضن ما لبثت فيهم، وهل تحضن الأم الحنون ولدها عمره كله؟ لكن هاته الجزيرة أفدتني بكل شيء، حتى إن الجمع المؤنث كان له حظا وافرا في الإعتزاز بي والتعريف بي و بضوابطي وقيمي على تلك الأرض الطيبة المباركة .
       من كان يعلم ؟  هل كان الرومان عندما قدموا على إسبانيا يسمعون بي في الجزيرة العربية وأني قد توغلت فيها، وأنني منطلق من هناك إلى شمال إفريقيا، وعزمي أن أقدم عليهم أو على من سيأتي بعدهم من مملكة القوط ؟
        لم يكن قبل من يتوقع أن أعبر الموانئ والبحار على القوارب نحو الجهة المقابلة، أكبر المتشائمين كان ينتظر اندثاري وذهابي لطول عمري، ولربما أكبر المتفائلين كان يتوقع أن أعبر الحدود البرية ولا قدرة لي على ركب غمار الأمواج الهائجة، لكنني أخذت موثقا أن أمضي دائما ولا أتوقف، فأيما جزيرة لم أدخلها فسوف أدخلها طال الدهر أم قصر، وعمري وأجلي سيطول حتى أدرك مبتغاي وأنا أسعى في مسعاي وكلي أمل وثقة لا ينقطعان، وهكذا بقيت قرونا في رحاب مدن حملني إليها فرسان شجعان بارادة المولى سبحانه، فطاب لي الإستقرار بين أهلها وصفى لي السرور، فبقيت فرحا مزدهرا والكل منكب علي وعلى خدمتي وتبجيلي وتقديري قرون عديدة، لم يعد أحد ير مدن الجزيرة بدوني، جيل يرويني لجيل آخر، حتى أضحت تعاليمي كلها علوم بين فقه وأحكام ومقاصد... وكل جيل يجتهد بما أوتي من فضل الله لينال به الرضوان، ويبلغ به المراتب العليا في خدمتي، هكذا مضت حقبة زمنية من تاريخي بين عشية وضحاها، أحسست فيها بالعز والمجد يملأ ويعلو صدور ورقاب ذوي همم عالية ورغبات طافحة، إيمانا منهم بحقي عليهم.. لكن الأمر لم يدم على ذلك المنوال الأنموذجي الخالص، حيث قضى أمر الله وأنا أجمع أمتعتي وأشد حزامي للترحال، وأنادي بأعلى ندآء بين غرناطة وطليطلة وإشبيلية...لعل فيها من يسمعني ويأخذ بيدي وأظل عنده، لكن قدر الله شاء ألا يجيبني ولا يصغي إلي أحد .
        وكما أن المصائب لا تأتي فرادى فقد فقدت عزتي وكرامتي على أرض تلك الجزيرة، -مع أن عزتي لا تفتقد ولا تموت إلى أن يفنى هذا الكون الفسيح- تألمت أشد الألم، وفزعت أشد الفزع، حينما فقدت نفسي هناك، بين ظهراني القرون الثمانية التي مكثت، وقد تلقفني قبل ذلك أعلاما علماء، فقهاء جهابذة، على مختلف المذاهب، وكان من شدة حبهم وودهم لي، كان كل منهم يحابيني ويريد أن يحييني بمذهبه، فأصير نازلا على تلك الجزيرة بأكملها بذلك المذهب، فلا ثمة أحد منهم يرى النصرة والعزة بدوني، ولا أحد منهم يستطيع الإستغناء عني، فكلهم يتفهمون أوامري وتعالمي السمحة، كل حسب إجتهاده ورجاحة دلائله المختلفة .
        ولعل أصدق عبارة وأجمل نفحة أجرت دمعي حتى غدا منهمرا كالجدول الساري بدون دوي ولا هدير، تلك التي كتبها أبو العباس القرطبي يعلل بها ترحالي من تلك الجزيرة حينما قال : (( إنما ذلك -سقوط حكم المسلمين- لشيوع الفواحش منهم بالإجماع، من شبانهم بالفعل ومن شيوخهم بالإققرار )) فوربي إنها لكلمة حق وصدق .
        هل تدرون من أنا ؟ أنا الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في الجزيرة العربية، فشققت سبيلي عبر فتوحات عدة ومعارك حامية في شمال إفريقيا حتى بلغت جزيرة الأندلس على يد طارق بن زياد وموسى بن نصير في عهد الوليد بن عبد الملك، ولبثت فيها قرابة ثمان مائة سنة، مضت بين عشية وضحاها، حتى كانت غرناطة أخر مدينة أصمد فيها حتى نفذ صبري فأستسلمت .

محمد قشتو/ ورزازات






 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



أكاديمية فاس مكناس تُسابِقُ الدخول المدرسي ~المقبل بحزمة إجراءات تدبيرية صارمة

38 ألف و304 مترشح لنيل شهادة البكالوريا بجهة فاس مكناس

وزارة التربية الوطنية تطلق الخدمة الإلكترونية "منحتي"

إعلان عن طلب عروض مشاريع جمعيات المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان لسنة 2017

مجموعة وينارت تنظم دورة تكوينية حول الإيجابية في رمضان

ذكريات مدرس

المؤتمر الوطني الرابع للجغرافيين الشباب في أبريل المقبل بتطوان

لوحة للرسام مصطفى البلغيثي من زاكورة

الأخوان التوأم سعد وأسعد كاميل:عشق الموسيقى الراقية وسيلتنا للبحث في كوامن الروح

ابراهيم محمد يكتب:الدولة ومجتمع المعرفة...أزمات متلاحقة وآفاق للتقدم