أضيف في 14 دجنبر 2018 الساعة 15:55


منع حق العودة جريمة فصل عنصري

د.رائد ناجي
في بدايات العام 1965، تم إقرار نظام حظر الفصل العنصري وفقا للقانون الدولي، بالتوافق مع صياغة الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والتي دخلت حيز التنفيذ في الرابع سنة 1969.
لقد صنفت نظام الفصل العنصري رسميا كجريمة بموجب القانون الدولي بتاريخ 30 نوفمبر عام 1973، حيث تم اعتماد هذا التصنيف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها.
 ونتيجة للانتقادات الواسعة النطاق لنظام الفصل العنصري وسياسات الفصل الذي كانت تمارسه الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا؛ دخلت المعاهدة حيز التنفيذ بتاريخ 18 جويلية لسنة 1976.
وحتى اليوم صادقت 107 دولة على اتفاقية الفصل العنصري، وكذلك الحال بشأن ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي دخل حيز النفاذ في  جويلية سنة 2002، والذي بحسبه تصنف جريمة الفصل العنصري كواحدة من الجرائم ضد الإنسانية. وقد تم التخلي عن نظام الفصل العنصري من قبل حكومة جنوب إفريقيا عام 1990 بعد ممارسته كسياسة ممنهجة في جنوب إفريقيا منذ عام 1948 بشكل رسمي  ولاحقا في العام 1994، وتم التحول إلى بناء جنوب إفريقيا الديمقراطية.
هذا المقال يتناول مدى انطباق جريمة الفصل العنصري على إسرائيل، كما سيتطرق المقال إلى تطور التعاطي مع جريمة الفصل العنصري بموجب القانون  الدولي إضافة الى اتفاقية الفصل العنصري وميثاق روما الأساسي وكيفية محاكمة مرتكبي هذا الجريمة في إطار القانون الدولي واتفاقية الفصل العنصري وميثاق روما الأساسي.
تطور جريمة الفصل العنصري في القانون الدولي:
تعد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ICERD)، أول معاهدة متعددة الأطراف لحقوق الإنسان؛ تتناول بوضوح حظر التمييز العنصري، والتي تم تبنيها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1965 ودخلت حيز التنفيذ سنة 1969 وتضم حاليا 175 دولة من ضمنها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وتنص ديباجة الاتفاقية بأن الدول الأطراف "يساورها قلق شديد لوجود مظاهر التمييز العنصري، التي لا تزال ملحوظة في بعض مناطق العالم بسبب السياسات الحكومية القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، مثل سياسات الفصل العنصري أو العزل، أو التفرقة" ) أما المادة الثالثة من الاتفاقية تنص بوضوح إلى أن على الدول حظر التمييز العنصري، حيث تنص: "تشجب الدول الأطراف  بصفة خاصة العزل العنصري والفصل العنصري، وتتعهد منبع وحظر واستئصال كل الممارسات المماثلة في الأقاليم الخاضعة لولايتها.
 وكان صائغو الاتفاقية قد تجنبوا بعناية أي إشارات مباشرة لممارسات أي دولة محددة للتمييز العنصري في المعاهدة؛ إلا أن الإشارة المباشرة لنظام الفصل العنصري في اتفاقية حظر جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها كانت استثناء لهذا المبدأ. ورأى صائغوها انه يتوجب الإشارة إلى نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حيث أدانت الجمعية العامة وبشكل سنوي في الفترة الواقعة ما بني 1990 -1952 سياسة الفصل العنصري، على اعتبار انه يتعارض مع المادتين 55 و56 من ميثاق الأمم المتحدة، حيث تنص المادة 55 من الميثاق" على أن تقوم الأمم المتحدة بتعزيز العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب". ويليها ما جاء في المادة 55  التي تنص تحديدا على أن يكون الامم المتحدة الدور في تشجيع "الاحترام العالمي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين". كما تنص المادة 56 على: " تتعهد جميع الدول الأعضاء باتخاذ إجراءات مشتركة ومنفردة بالتعاون مع المنظمة من أجل تحقيق الأهداف المنصوص عليها في المادة 55". وترتب على ذلك أن بدأ مجلس الأمن الدولي بإدانة الفصل العنصري على نحو منظم بعد عام 1960. وتبع ذلك قيام الجمعية العامة الأمم المتحدة بإصدار قرار في العام 1966 يقضي بان الفصل العنصري هو جريمة ضد الإنسانية ).
تعريف جريمة الفصل العنصري وفقا لاتفاقية الفصل العنصري:
لقد قامت اتفاقية حظر جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها "اتفاقية الفصل العنصري" فيما بعد( بناء على جهود الأمم المتحدة التي سبقتها بالإعلان الذي ينص على "أن سياسة الفصل العنصري غير شرعية؛ ليس فقط لأنها تنتهك ميثاق الأمم المتحدة، بل لأنها تشكل جريمة بحد ذاتها". وقد تم اعتماد اتفاقية الفصل العنصري من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1973  بأغلبية 91 صوتا مؤيدا، وأربعة ضد "البرتغال، وجنوب إفريقيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة"وامتناع 26 من الأعضاء عن التصويت. وقد دخلت حيز النفاذ بتاريخ 18 جويلية عام 1976.
 أما اليوم، فان اتفاقية الفصل العنصري تضم 107 أعضاء. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل والواليات المتحدة ليستا من ضمن هذه الدول. ومما يثير الدهشة، أن الحكومة التي أعيد تشكيلها حديثا في جنوب إفريقيا بعد القضاء على نظام الفصل العنصري ليست طرفا فيها حتى الان وتنص الاتفاقية على أن الفصل العنصري يشكل جريمة ضد الإنسانية، اذ تنص المادة 1 من الاتفاقية بأن "الأفعال اللانسانية الناجمة عن سياسات وممارسات الفصل العنصري والسياسات والممارسات المماثلة للفصل العنصري والتمييز العنصري هي جرائم تنتهك مبادئ القانون الدولي ،وتعرف المادة 2  من الاتفاقية الفصل العنصري : في مصطلح هذه الاتفاقية، تنطبق عبارة "جريمة الفصل العنصري"، التي تشمل سياسات وممارسات العزل والتمييز العنصريين المشابهة لتلك التي تمارس في الجنوب الأفريقي، علي الأفعال اللا إنسانية الآتية، المرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصرية ما من البشر علي أية فئة عنصرية أخري من البشر واضطهادها إياها بصورة منهجية: )
أ‌-    حرمان عضو أو أعضاء في فئة أو فئات عرقية من احلق في الحياة والحرية الشخصية
1.     بقتل أعضاء من فئة أو فئات عنصرية، 2. بإلحاق أذى خطير، بدني أو عقلي، بأعضاء في فئة أو فئات عرقية، أو بالتعدي علي حريتهم أو كرامتهم، أو بإخضاعهم للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو الحاطة بالكرامة، 3. بتوقيف أعضاء فئة أو فئات عرقية تعسفا وسجنهم بصورة لا قانونية،
ب‌-     إخضاع فئة أو فئات عرقية، عمدا، لظروف معيشية يقصد منها أن تفضي بها إلى الهلاك الجسدي، كليا أو جزئيا.
ج‌-    اتخاذ أية تدابير، تشريعية وغير تشريعية، يقصد بها منع فئة أو فئات عرقية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتعمد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات، وخاصة بحرمان أعضاء فئة أو فئات عنصرية من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والحق في تشكيل نقابات معترف بها، والحق في التعليم، والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية، والحق في حرية التنقل والإقامة، واحلق في حرية الرأي والتعبير، واحلق في حرية الاجتماع وتشكيل الجمعيات سلميا.
د-  اتخاذ أية تدابير بما فيها التدابير التشريعية، تهدف إلي تقسيم السكان وفق معايير عنصرية بخلق محتجزات ومعازل مفصولة لأعضاء فئة أو فئات عرقية، وبحظر التزاوج فيما بين الأشخاص المنتسبين إلي فئات عرقية مختلفة ونزع ملكية العقارات المملوكة لفئة أو فئات عنصرية أو لأفراد منها.
 ه-   استغلال عمل أعضاء فئة أو فئات عرقية، لا سيما بإخضاعهم للعمل القسري.
 و- اضطهاد المنظمات والأشخاص، بحرمانهم من الحقوق والحريات الأساسية لمعارضتهم للفصل العنصري.
بناء على ما سبق من العبارات الأساسية المستخدمة؛ فإن المقصود ليس فقط الفصل العنصري الممارس في جنوب إفريقيا على انه جريمة بحد ذاتها، ولكن ممارسات الفصل العنصري في أي مكان تم تضمينه في نطاق الاتفاقية، إضافة لذلك فان المادة  3 من نفس الاتفاقية تنص على أن المسؤولية الجنائية الدولية تترتب على الأفراد وأعضاء المنظمات وممثلي الدولة الذين يرتكبون، ويحرضون أو يتآمرون لارتكاب جريمة الفصل العنصري. وتتضمن المادتان 4 و 5 على وجود شكل من أشكال الولاية القضائية العالمية على مرتكبي الفصل العنصري.
 ويستفاد ذلك من نص المادة 4 على أن تتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية ب:- "اتخاذ تدابير تشريعية وقضائية وإدارية للقيام، وفقا لولايتها القضائية وملاحقة ومحاكمة ومعاقبة الأشخاص المسئولين عن ارتكاب الأفعال المعرفة في المادة الثانية من هذه الاتفاقية أو المتهمين بارتكابها، سواء كان هؤلاء من رعايا هذه الدولة أو من رعايا دولة أخرى أو كانوا بلا جنسية".
وتعطي المادة 5 الدولة سلطة محاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب أعمال منصوص عليها في المادة الثانية من هذه الاتفاقية من قبل محكمة مختصة من محاكم أية دولة طرف في الاتفاقية، والتي قد يقع الشخص المتهم ضمن ولايتها القضائية. بهذا الشكل فإن اتفاقية الفصل العنصري تعطي الدول الأطراف السلطة لإدماج قواعد الولاية العالمية للقضاء ضمن قوانينها المحلية لغايات مقاضاة مرتكبي الفصل العنصري.
تعريف جريمة الفصل العنصري بموجب ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: إن ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية "نظام روما الأساسي والذي دخل حيز النفاذ في 1 جويلية 2002، يصنف جريمة الفصل العنصري كشكل محدد من أشكال الجرائم ضد الإنسانية. واليوم هناك 119 دولة مصادقة على نظام روما الأساسي. ومن الجدير ملاحظته أن كلا من إسرائيل والولايات المتحدة لم تنضما الى هذا النظام.
صنف المادة 7 "1" من نظام روما الأساسي الفصل العنصري باعتباره جريمة ضد الإنسانية، وبناء عليه فإن المادة 7 «2» تحدده كما يلي: 1. لغرض هذا النظام الأساسي، يشكل أي فعل من الأفعال التالية "جريمة ضد الإنسانية" متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم:
ي - جريمة الفصل العنصري  تعنى "جريمة الفصل العنصري" أية أفعال لا إنسانية تماثل في طابعها الأفعال المشار إليها في الفقرة 1 وترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام.
ويتضح من هذا التعريف أن الفصل العنصري بموجب نظام روما الأساسي لا يقتصر على أعمال وتصرفات  حكومة جنوب إفريقيا، ولكنه ينطبق على أي سلوك ينطبق عليه تعريف المادة 7 وبشكل عام، تستطيع المحكمة الجنائية الدولية ممارسة سلطتها القضائية عندما يكون المتهم من رعايا الدول الأعضاء أو في حال أن الجريمة المزعومة تكون قد حدثت في الدول الأعضاء، أو إحالة الوضع إلى المحكمة من قبل مجلس الأمن الدولي. حيث تم وصف دور السلطة القضائية للمحكمة كدور مكمل، ولا يمكن للمحكمة أن تمارس سلطتها القضائية إلا عندما تكون المحاكم الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على إجراء المحاكمة.
إسرائيل وجريمة الفصل العنصري:
بموجب اتفاقية الفصل العنصري، فانه يحظر وبشكل واضح سن تشريعات تهدف إلى حرمان مجموعة عرقية من الحق في المغادرة والعودة إلى بلادهم. وقد حرمت إسرائيل لاجئي 1948 و لاجئي 1967 على حد سواء من الحق في العودة إلى منازلهم وبيوتهم في بلدهم الأصلي، إذ يستند هذا الحرمان الى التصنيفات العرقية- الاثنية أي العنصرية. كما ويشكل هذا العمل انتهاكا صارخا لاتفاقية الفصل العنصري. ويبدو أيضا انه يتناسب مع تعريف التمييز العنصري الوارد ضمن نظام روما الأساسي. وفي حني أن نظام روما القضائي يسري فقط على الجرائم التي ارتكبت منذ دخوله حيز النفاذ في عام 2002، فقد بات من الممكن القول بأن انتهاك إسرائيل لحق العودة هو جريمة مستمرة حتى يومنا هذا، وإن إنكار ورفض إسرائيل الاعتراف و/أو تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين ربما يعتبر المثال الأكثر وضوحا لممارسات الفصل العنصري، لكنه بالتأكيد ليس المثال الوحيد، حيث وجدت المحكمة الشعبية"Russell Tribunal"حول فلسطين، والتي عقدت في "كيب تاون" جنوب إفريقيا، في الفترة من 7-5 تشرين الثاني لعام 2011، أن إسرائيل مذنبة بارتكابها العديد من الانتهاكات التي تندرج ضمن جريمة الفصل العنصري بموجب القانون الدولي.






 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الحكومة والأزمة من يقود من...؟

ماذا يمكن أن يحدث عندما يلتقي الفقر بضعف السياسة؟

الصحف الفرنسية: ماكرون "حسم" الانتخابات التشريعية بدون تحقيق موجة تأييد عارمة

الدكتورة آمال الحواسني تشرح سياسة المغرب الخارجية في ظل دستور2011

حزب الاتحاد الاشتراكي يزيغ عن سكته بالتعيينات الجديدة

قصة فبراير كما شهدناها

شباب من جهات المغرب يعلنون من الرباط ميلاد حركة البديل الشعبي كخطوة للشروع في تأسيس حزب سياسي