أضيف في 14 دجنبر 2018 الساعة 10:29


الإمعان في تضييع الزمن السياسي.. وخطـر تسليم الوطـن إلى المجهـول

بقلـم: يونـس التـايـب*

 طالعنا في بعض وسائل الإعلام، بداية هذا الأسبوع،  تصريحات لوزير الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، السيد مولاي حفيظ العلمي، من جملة ما قال فيها أن "التنبيه الصارم للملك بخصوص التأخر الذي يعرفه مشروع مخطـط التسريع الصناعي في جهة سوس، كان واضحا ومفهوما وأتى في وقته"، معترفا أن "المشروع عــرف بعض الاختلالات والتأخـرات"، وأنه قد "بدأ العمل من أجل تدارك هذا التأخر، وتجاوزه".

قول الوزير، إلى هنا، يستحق التنويه والتفاعل الإيجابي، لأنه يعكس إحساسا بالمسؤولية وتقديرا لمقتضايتها. كما أن الإقرار بالخلل والالتزم بمعالجته، أمر محمود يدخل في نطاق احترام "معاييـر الجودة في مسارات التدبيـر"، التي لطالما دافع عن أهميتها ذات المسؤول الحكومي.



ومن منطلق إيماني أن  تتبع مجريات تدبير الشأن العام، يستوجب التعاطي النزيه مع المواضيع التي تحوز الاهتمام، متابعة وتحليلا، كما هو يستلزم اعتماد النقـد الرصين الذي يساهم في خلـق أجواء الثقـة بين الفاعليـن الرسميين وبين المواطنين المتتبعين لأدائهم، لا يمكنني إلا أن أثمن إقدام الـوزيـر على محاولة معالجة الخلل، أولا، و حرصه على التواصل مع الرأي العام وطمأنته بأن إجراءات صارمة اتخذت لتدارك التقصير في تدبير ملف هـام، سجـل الخـلل وأثار الانتباه إليه،  جـلالـة الملك رئيس الدولة.

وبمقابل موقفي هـذا، لا يمكنني ألا أتفاعل مع جزء آخـر من تصـريـح الوزيـر، قال فيه أنه لـن يقبـل "من أي طـرف، كيفمـا كـان، أن يستغـل مسألة تتعلـق بتعليمات ملكية سامية ضمن أغـراض سياسوية".

صراحة، لم أجـد هذا الجزء من الكلام ضروريا، ولا وجدته متسـقا مع منهجيـة "تـواصل الأزمة" Communication de crise ؛ ولا أحسست أن لهذا الكلام عائدا سياسيا يمكن تحصيله. بالنسبة لي، هذا الجزء من التصريح ليس سوى تعبيرا عن حالة حرج، أو ربما غضب مكتوم، جراء بروز أصوات وصفها الوزير بكونها "سياسوية"، ذنبها أنها تفاعلت مع موضوع التقصير في تدبير مشروع التصنيع بجهة سوس ماسة.

إن المنطق السياسي السليم، يفرض على من تحمل المسؤولية، ضمن نسق سياسي ديمقراطي، قبول كل الأراء المعبر عنها بخصوص ملفات تدبيره للشأن العام، بما فيها وجهات النظـر المخالفـة والمنتقـدة، طالما التزم أصحابها النقـد الموضوعي واحتـرام أدبيات الحوار والسجال السياسي. وفي حالتنا، يبدو لي أن  ما حمله الجزء الأخيـر من تصريح الوزيـر، يدخل في إطار منطـق رد الفعـل الأقـرب لتكتيكـات "رجل السياسة" الحريص على سمعته وعلى صورته أمام خصوم ومنافسين متربصين، أكثر منه رد فعل "رجل التدبير" الحريص، أولا، على النتائج و على نجاعة أداء المؤسسات التي يسيرها والتي تقوم بتنزيل سياسة عمومية قطاعية معينة.

ولكي نستوعب أكثر حيثيات القصة، كم تمنيـت لـو أخبرنا الـوزير بهـوية تلك "الأطرف" التي يعتبر أنها استغـلـت الموضـوع "ضمـن أغـراض سياسـوية"، لنعرف أهي جزء من حلـف الأغلبية المتوجس بعضه من بعض؟ أم هي جزء من معارضة تسعى لتسجيل حضورها من خلال انتقاد عمل الحكومة ؟ أم هم فاعلـون سياسيون غير منتمين، يهمهم ما يجري في ساحة تدبير الشأن العام ؟ أم هي وسائل إعـلام "مشاكسة"؟ أم هو جزء من مجتمع مدني ذنبه أنه يحاول تجسيد دوره في تتبع السياسات العمومية والمساهمة في تقييمها؟

وكم وددت لو بسط لنا الوزير بالضبط ما يقصده بالأغراض السياسوية ؟ وبأي شكل تم تصريف تلك الأغـراض ؟ وفـي أي اتجـاه تـم ذلك ؟ ولفائدة من؟ و أي وقع وأثر خلفـه ذلك التصريف ؟ وماذا أزعج السيد الوزير، في نهاية المطاف، من ذلك التناول "المغرض"؟

أكيد، أنه لن تأتينا إجابات، تماما كما لن يتوقف المواطنون المتابعـون عن طرح الأسئلة كلما كان ذلك ضروريا. ذلك قدرنا في وطن يرفض أبناءه أن يتم الحجر على ذكائهم.

المهم، أنني في مقالي الصادر الأسبوع الماضي، تحت عنوان "تأهيل التدبير العمومي وشرط الكفاءة والنفس الوطني"، كنت قد توقفـت عند دلالات الاستفسـار المـلكي بشأن مدى "تـقـدم تنفيـذ مخطـط التسريع الصناعي لجهة سوس ماسة"، الذي أعطيت انطلاقته في 28 يناير 2018 بأكادير ، وكنت قد سجلت ما ورد بشكل واضح من إثارة الانتبـاه "لـتعثـر هـذا المخطـط، الذي لم يعـرف أي تقـدم منـذ إطلاقـه" والدعوة إلى "الإسراع بتنزيله داخـل الآجـال المحـددة"؛ وأعود هنا لأتفـاعـل، كما وعـدت بذلك، مع مسألة هـدر الوقـت في مسار تدبيـر الحكومة للشأن العـام، لقناعتي أن الأمر ذو أهمية قصوى لا يجب أن نسكت عنه، ولا أن نرتبـك خشية أن يوصف ما نحن عليه من تتبع وحرص، بأنه "استغلال سياسوي".

وبناء عليه، أؤكد أنني عندما اعتبرت أن موضوع تأخيـر تنفيـذ مشـروع بذلك الحجـم، أمـر جلل يحتاج إلى وقـفـة تأمـل طويلـة، وإلى تحليـل شجـاع يقـول الحقيقـة ولا يجامل، فعلت ذلك يقينا مني أن استمرار الصمت أمام هـدر الحكـومة، أو بعض مكوناتها على الأقل، للـوقـت وللـزمن السياسي، شيء غير مقبـول بالمطلق. بل إنني أعتبر ذلك، لا مبالاة بالغة الخطورة، ربما لا يستحضر أصحابها أنهم يسكتون عن ظلم بالـغ لحاضر وطننا، ولمستقبـل الأجيال الشابة الحالية والمستقبلية. كيف لا و إضاعة الوقت، أثناء تدبير الشأن العام، يقلـص حظـوظ الإقـلاع الاقتصادي، ويعطل انطلاقة التأهيل الاجتماعي المنتظر من طرف عموم المواطنين.  لذلك قلت صراحة، أن إضاعة مـدة "أحـد عشر شهـرا" دون فعـل ناجع، في حالـة مشـروع التسـريـع الصنـاعـي لجهة سوس ماسـة، أمر غير مقبـول، و هو ليـس إلا دليلا آخـر على أن الحكـومة تتعاطى بمنطق غريب مع قيمة أساسية ألا وهي عامل الوقت/الزمن.

والواقع الذي عشناه يؤكد أننا فيما كنا نلاحظ، منذ تبني المغرب لدستور جديد سنة 2011، أن المحيط الجهـوي والـدولـي يتعقد، يوما بعد يوم، و معطيات الواقـع تتغير بسرعة، وشراسة الصراع الاقتصادي التنافسي بين أقطاب العالم تتعاظم، كنا نلمس أيضا ، للأسف، كيف أن الفاعل الحكومي يشتغل ببطء شديد، ليس أسرع منه سوى وتيرة الخطابة والتصريحات النارية، أيام السبت والأحد في ملتقيات حزبية، يهتف الحاضرون فيها ضد حكومة يسيرها زعماؤهم. مما أضاع على البلاد وقتا كبيرا، سواء على مستوى الأوراش المتعلقة بتنزيل مقتضيات دستورية كانت تحتاج إلى إتمام إطارها المؤسساتي وإخراج كامل ترسانتها القانونية إلى حيز الوجود، أو على مستوى مشاريع وبرامج تنموية تم الإعلان عنها ولم تُـفعـل، كما هو الحال بالنسبة لمشروع "منارة المتوسط"، الذي خصه المجلس الأعلى للحسابات بتقرير أظهر دلائل عدة على تراخي غير مسؤول وارتجالية كبيرة على عدة أصعدة.

علامات كثيرة كانت تبدو للرأي العام الوطني، تبين من خلالها أن حكومات ما بعد دستور 2011، ظلـت مرتبكة أكثـر من اللازم، تفكـر وتتـردد، وتتخوف وتتـوجس، وتفتح معـارك وهمية مع طواحين الرياح، ثم تمتنع عن الحركة بفعل صراع الكواليس بين بعض مكونات الحكومة نفسها، المنغمسة في حسابات ضمان مصالح حزبية ضيقـة، تستعجل النهوض بأوضاع الأتباع والمريدين وتستبطء الحسم في قضايا تدبير تؤثر في المعيش اليومي للمواطن، بعيـدا عن مقامـات الحكمة وتغليب المصلحة الوطنية الجامعة.

من هنا، لابد من الاعتراف الموضوعي بمشروعية الخوف الذي تسرب إلى أنفس المواطنات والمواطنين، وهم يرون أن السلوك الحكومي يزكي منطق السير بإيقاع بطيء يضمن لبعض مـدبـري السيـاسـات العمـوميـة  مكتسبـات تـواجـدهـم بمنـاصبهـم، من خلال اعتماد القاعدة اللعينة التي تقول "ما تدير شيء، ما يطرأ بأس..."، ويزكي تمييع وتسفيـه ممارسة الشأن العـام.

ومساهمة صادقة في ألا نترك شعلة الأمل تنطفئ في أعين شباب هذا الوطن الغالي، يقتضي مقام المسؤولية المواطنة، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، التنبيه العلنـي و الصريح، إلى أن الاستمرار في إضاعة الـزمـن، باستحداث أسباب واهية متعددة، ستكـون له تكلفـة ثلاثية الأبعـاد: تكلفـة سياسيـة، وتكلفـة اقتصادية، وتكلفـة اجتماعيـة. كما أن الأمر لن يزيـد إلا في تـقـويـة الاعتقـاد السائد الآن في كل الأوساط بـأن الفاعـل الحكومـي لا يـريـد تحريـك الأمـور، ولا يـريـد تفعيـل الديناميكيـات، ولا يريد الاجتهاد والتجديد، ولا يرغـب في إطـلاق الطاقـات واستنهاض همم الكفـاءات، لتنهض أوضاع البلاد على أسس جديدة في هذه المرحلة  التاريخية الحساسة التي تجتـازهـا بـلادنـا، و التي تحتاج إلى سمو منطـق تدبير تشاركي تعلــو فيـه مصلحـة الوطـن والمواطنيـن على أي مصلحة حزبية ضيقة، مهما كان موقع أصحابها وشرعيتهـم وعددهـم وعديدهـم.

ويقيني، أن تـرك البعـض يشتغل بمنطـق "خليها تخماج ..."، سيترتب عنه، إذا استمر هكذا أشهـرا أخرى، ما يمكن تسميته بالتحلل العضوي للوظائف المؤسساتية لمنظومة التدبير العمومي..

مما قد يـؤدي إلى وضعية خطيرة وغير مسبوقة، تصيـر فيهـا منظومــة الفعــل العمــومــي غير قـادرة على السيـر بالتناسـق والتناغـم المطلوب، وبالثقـة اللازمة، والانخراط المتحمس للموارد البشرية وللكفاءات، من أجل إحداث أثر فعلي في سير المؤسسات والقطاعات، وتنزيل السياسات العمومية والبرامج بما يغير واقع الناس في حياتهم اليومية.

و لا شك أن عقـلاء الوطن وهم يحملون يقينا أن رأسمالنا الحقيقي هـو انتماؤنا لأرض المغرب، وأننا ورثة شرعيون لأجـداد أشاوس كرماء، و أن علينا واجـب الحفـاظ علـى الوطن والمساعـدة في ضمان مستقبله مصانا ومحفوظا بإذن الله، يدركون جيدا أن ذلك لن يكون متيسرا مع استمرار منطق "التحلل العضوي" الذي سيـزيـد في تدميـر ما بقي من ثـقـة وطمـأنينـة لـدى المواطـن، ويقتـل أمله، ويزعـزع يقينـه بأنه ينتمي إلى مجتمع تنظـم حركيتـه قوانيـن ومؤسسات من المفروض أنها في خدمته وليس شيئا آخـر.

هذا ما قصدته بحديثي عن خطورة إضاعة الوقت وهـدر الزمن. ولهذا اعتبرت أن مؤاخـذة الوزير  ل"أطراف" بأنها تستغل الموضوع لأغراض "سياسوية" أمـر لا يستقيـم ولا يعتـد به، لأن القضية أكبـر من مستقبل مسؤول هنا، أو نتائج حزب هنالك.

وعليه، كل الأمل معقود على أن يتم تصحيح المسار بجرأة وثقـة، وأن يتم تصويب الخلل حيث ما كان، وبسرعة فائقة لأن الوقت يداهمنا من كل جانب. كما يتعين ترك أي تفاعل مع محترفي "السجال السياسوي" بشأن قضايا ثانوية، لأن ما يهمهم هـو بالأساس أن يتضاعف أتباع "الطائفة العدمية" وأن يتسع نطاق التيئيس ويموت الأمل في قلوب الشباب، فيستسلموا لأصحاب المشاريع التحريضية الجاهـزة والمغرضة.

إن سعي أصحاب معركة "تثقـيــل الإيقـاع"، يهدف إلى شغـل النجبـاء عن الفعل الناجع، في محاولة لتأكيد "نظرية" أن لا أحد يصلح للسياسة إلا هـم... وألا شرعية تعلـو شرعية الأصوات التي حصلـوا عليها... وأنهم هـم المؤتمنون على "تصفية الساحة" وعلى "تحديد من له شرعية الفعل السياسي"... ولهم هم أن يسمحوا للقادمين من القطاع الخاص ومن عالم المال والأعمال، بولوج عالم السياسة... ولهم هم أن يقولوا أن "من الأفضل لهؤلاء أن يعودوا من حيث أتـوا ويتركـوا السياسة لأهلها"، لأنهم يعتقدون أن  شرعية الاشتغال بالسياسة حكـر عليهم، ومجال محفوظ لا يجب أن يدخله المتفـوقـون حقا، أولئك الذين أثبتوا نجاحهم ولم ينتظروا دخول "عوالم السياسة" لتظهر عليهم مظاهر الغنى.

و لن أختـم حديثي قبل التنبيه إلى أهمية استراتيجية "التدبير الاستباقي للمخاطر" المحيطة بأي مشروع، سواء على مستوى الوقت أو التكلفة... وليس تدبير الشأن العـام الوطني إلا أكبـر وأهـم المشاريع التي تعنينا جميعا كمواطنين... خصوصا إذا كنا مجمعيـن على أننا نرفض أن نُسلمهم الوطن ليسيروا به إلى المجهول...

وللحديث بقية...

* فاعـل سياسي ومدنـي






 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



عندما تغيب قيم ومفاهيم التنمية الثقافية عن السياسات الحكومية

كن واضحا.. تنجح

عن الدراما السودانية

"مجرد سؤال"عن وضعية تدهور الفكر العربي وكونه مستهلك أكثر منه منتجا

الحركات الاجتماعية بين إشعال الثورة وأفول الحراك

حول ظاهرة التقارب بين أحزاب الخضر اليسارية وتنظيمات الليبراليين الاجتماعيين

الإنسانية هي المستقبل الوحيد الممكن للبشر!

الضباع حتى في قانون الغاب لا تحكم الغابة

كيف تمتد الأزمة المغربية، من جيل لآخر...؟

الإعلام الإلكتروني وسؤال المهنية؟